في بيتنا موهوب / د. خالد إبراهيم محمود الوائلي


في بيتنا موهوب   / د. خالد إبراهيم محمود الوائلي

خاص بشبكة الحياة لوحة رسم  Life just like a palette 

تاريخ النشر  : 27/12/2017

(1)

لو امتلك أحدنا مبلغ مقداره ( 100) مليون دينار سيفكر حتماً بالبحث عن مصرف استثماري معتبر لإيداع هذا المبلغ في حساب جارٍ ينتفع من أرباحه ويوفر الحماية الكافية لهذا المبلغ المهم ، أي أنه الانتفاع الأفضل بالوسيلة المثلى وهذا ما نسميه بالاستثمار ، ويوجد ما هو أهم من استثمار الأموال نفعاً وجدوى وهو استثمار العقول ! فكم من عقل نير اضمحل وكم من فكر مشع خبا وكم من عبقري ضاع في براثن الإهمال وكم من موهوب سحقت موهبته تحت أتون البيروقراطية القاتلة ، بيروقراطية الدولة والمؤسسات وحتى بيروقراطية الأسرة التي تعد الحاضنة الأهم لاكتشاف ورعاية الموهوبين لقلة عدد افرادها وسهولة اكتشاف الموهوب من غيره وسهولة رعاية هذا الموهوب لو توفرت عند أولياء الأمور شيء من الثقافة والمعرفة بهذا النوع من البشر .

بعد الحرب العالمية الثانية وبعد انكسار المجتمع الاوربي وخسارته المعنوية الفادحة وتعرضه لأزمات نفسية قادحة لجأ القضاة الى حيلة عظيمة ألا وهي أن لا يعقدوا عقد الزواج لشابين يريدان الزواج إلاَ بعد دخولهم لدورة نفسية تربوية قام بها طلبة فرويد وفرانكل وماسلو علماء النفس الرواد في مجال علم النفس الأسري لمعرفة هؤلاء القضاة بأهمية تمتع الزوجين بمقدار معتد به عن كيفية رعاية الاسرة وتقدير الحاجات النفسية للطفل وكيفية اشباعها الاشباع السوي ومعرفة ان هذا الكائن الذي سينتجه زواجهما هو كائن من صفائح روح وخلجات نفس ودوافع ملحة وحاجات شعورية ولا شعورية ولا يمكن معاملته على أنه جسد يحتاج الى الطعام فقط ، والأهم ان يعرفا كيفية اكتشاف ذوات هؤلاء الاطفال ومراعاة فروقهم الفردية ومساعدتهم في الاستقلالية والاعتماد على انفسهم وتنمية مواهبهم وقدراتهم وقابلياتهم .

إن التنمية البشرية هي أفضل أنواع التنمية واستثمار القدرات الُإنسانية واستثمار الطاقة الخلاقة والمتجددة والعظمى في أدمغة الأطفال هو أفضل أنواع الاستثمار وهذا ما سبقتنا دول العالم اليه منذ وقت طويل ، ربما تنبه اليه بعض قادة بلدنا حيث بدأنا نرى في الدوائر الرسمية لافتة ( الموارد البشرية ) للدلالة على اقسام الذاتية كما كان اسمها سابقاً ، حيث أن تعبير الموارد البشرية اقرب الى التنمية البشرية المنشودة والتي اصبحت موضة العالم الحديث وماركته وصلب اهتمامه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ، فالمجتمعات لايقودها المتخلفون الذين اصبحوا موضع تندر المجتمعات الحديثة واصبحت الديمقراطية شعارا انسانيا ومطلبا وجوديا ، والسياسة بدأت تبحث عن موهوبين لإدارة دفتها بعد أن زاد الجانب المعرفي للشعوب واصبح من العسير زجها في مغامرات الحروب والتيه والمحارق البشرية كما كان قديما ، أما الجانب الاقتصادي فنحن نرى بصورة جلية أن الدول التي يخطط موهوبوها لخطط خمسية وعشرية وحتى عشرينية هي من يثبت أساسها وتترسخ جذورها في عالم الاقتصاد والمال والاعمال ، إذن الموهوبون ثروة عظمى وخزين هائل واحتياط حيوي يُمَكن أي امة من الأمم من النهوض من أسوا واقع ممكن أن تمر به والأمثلة كبيرة جدا على ذلك ، لهذا كله  اهتم الكثير من الدوائر العلمية بمفهوم الموهبة لدى الأطفال من اجل مستقبل أفضل ، وخلال العقود الماضية عُقد الكثير من المؤتمرات والدورات التدريبية لخلق مناخ يشجع الأبناء على الإبداع وتعزيز الموهبة  ، وأصبحت تقام الآن مدارس خاصة تهتم بتنمية العملية الإبداعية لدى الأطفال من خلال توفير بيئة مدرسية تطور العملية الإبداعية لدى أطفالها .

(2)

من هو الموهوب ؟ وكيف نتعرف عليه ؟ في كثير من الاحيان يفوت العائلات والمربين والتربويين  وجود موهوب معهم ، في محيطهم ، قد يكون جلس هنا أو ضحك هناك أو مر من قربهم  ! قد يكون أثقل عليهم في طلباته أو غرد خارج سرب أفكارهم ! قد يمارس هواية جديدة ليست من اعراف الاسرة ولا ضمن تاريخها المهني أو أتخذ عزلة معينة في مكان  منزوٍ، قد يكون غريب الأطوار لحد ما ، إلاّ أن الشيء الذي فاتهم وفات الجميع أنّ الشخص هذا يريد منهم بصورة لا شعورية ان يساعدوه في تفهم رغبته بتركه وحيدا ومدّ يد العون له أن أمكنهم ذلك وتبعاً لرغبته ، فالموهوب يملك من الخيال الكثير ومن الهواجس والأفكار ما يجعله يسرح بعيدا عن عالمه المعاش ، نستطيع التعرف عليه في مراحل العمرية الاولى بحبه الشديد للسؤال والاستفهام عن كل ما يحيطه فحُب الاستطلاع لديه شديد وقابليته للتأمل الإيجابي فاعلة جدا ويستفهم حتى عن الإجابات المطروحة من قبل والديه ومربيه حول أسئلته ، وتجده يفضل الاختلاط بمن هو أكبر منه والتحدث اليهم والاقتباس من تجاربهم وله قدرة جيدة في التخمين وينتقد نفسه إذا لم يكن عمله مثالياً ويظهر رأيه ومشاعره بقوة وثبات وشكيمة نظرا لثقته العالية بنفسه وكذلك يحب النقاش الذي يمثل عالمه الواسع لاكتشاف المزيد وتكون لديه حصيلة لغوية جيدة في سن مبكرة وهو قوي الذاكرة والحفظ ، حاد الذهن ، لديه القدرة على إدراك سببية الأشياء والعلاقات فيما بينها ، ويتمتع بسعة الخيال ودقة الملاحظة للأشياء التي تصادفه وكثير المطالعة لموضوعات قد تلائم من هو اكبر من عمره ولا يملّ من التركيز العالي في الاعمال والأهم في صفات الموهوب أنه عادل بالفطرة أي انه يميز بين الخطأ والصحيح والحسن والسيء ، وهو مغامر ومجازف بحيث يكون أكثر ما يحزنه هو وقوف والديه بوجه تنفيذ أفكاره ومغامراته الميكانيكية أو الألكترونية  أو الحرفية ، وهو ذواق وملم بالكثير من الامور الجمالية ويتقبلها ويرفض غير الأصيل بشكل فائق الدقة ، ويكون منفتحاً بالتفكير رغم أنه متعصب لرأيه ، ولا يخشى الاختلاف بالرأي مع الآخرين بسبب ثقة العالية بنفسه وإيمانه بعقيدته أضافة الى تمتعه بحس الفكاهة والدعابة مع زملائه ، وهذه الصفات كلها وغيرها لو ألقينا نظرة فاحصة عليها لوجدن أنها صفات الشخصية القيادية الكفؤة ، أي اننا بعدم رعايتنا لأطفالنا الموهوبين نحرم مجتمعنا من طاقة قيادية وكفاءة ريادية نافعة في المستقبل ، ونمنع من نمو بذرة صالحة من الممكن أن تترك أثراً ساراً في طريق التنمية البشرية التي يهدف الإنسان عموماً لتحقيقها .

وضع علماء النفس الكثير من المقاييس والاختبارات الشخصية لاكتشاف هذه البراعم الموهوبة لتسهيل رعايتها والأخذ بيدها الى حيث المجتمع الملائم والمؤسسة التربوية الملائمة وبالتالي الى المؤسسة الحكومية الملائمة التي تفجر من طاقات هذا الموهوب وتتبناه التبني الكامل لقطف ثمار ما تنتجه هذه العقول الغضة الطرية المفعمة بالحياة والألق والإبداع ، ومن هذه المقاييس مقياس (ستانفورد – بينيه ) ومقياس ( وكسلر ) ومقياس ( تيرمان ) الذي وضع منحنى اعتداليا يتضمن الدرجات من 91 الى 141 ويضع اسئلة للطفل بحيث تكون مناسبة لعمره ويتحدد الموهوب اذا ما اجاب على هذه الاسئلة وحصل على درجات تتراوح بين الـ 125 والـ141 بعد فحص الاجابات وكذلك تعتبر مقاييس التحصيل الأكاديمي المقننة أو الرسمية ، من المقاييس المناسبة في تحديد قدرة الموهوب التحصيلية في اعمار اكبر، والتي يعبر عنها عادة بنسبة مئوية ، وعلى سبيل المثال تعتبر امتحانات القبول أو الثانوية العامة ، أو الامتحانات المدرسية من الاختبارات المناسبة في تقدير درجة التحصيل الأكاديمي للمفحوص، ويعتبر المفحوص متفوقاً من الناحية التحصيلية الأكاديمية إذا زادت نسبة تحصيله الأكاديمي عن 90% . وكذلك يمكننا من قياس الابداع عن طريق مقاييس الإبداع أو التفكير الابتكاري أو المواهب الخاصة  وهي من المقاييس المناسبة في تحديد القدرة الإبداعية لدى المفحوص ، ويعتبر مقياس (تورانس )الإبداعي والذي يتألف من صورتين : اللفظية والشكلية ، من المقاييس المعروفة في قياس التفكير الإبداعي وكذلك مقياس (تور انس وجيل فورد) للتفكير ألابتكاري، والذي تضمن الطلاقة في التفكير، والمرونة في التفكير، والأصالة في التفكير، ويعتبر المفحوص مبدعاً إذا حصل على درجة عالية على مقاييس التفكير الإبداعي أو الابتكاري  ، ويقاس الذكاء عادة باختبارات الذكاء باختبار المتواليات الحسابية واختبار الملاحظة والتركيز وغيرها ، يمكننا أن نشجع المواهب في اي مكان سواء كان في البيت ام المدرسة عن طريق وضع خطط لرعاية الموهوبين مع الخبراء المختصين وكذلك عن طريق الاطلاع على الجديد الدولي في هذا الميدان واشعار الموهوب بأهميته ومكانته وانه يمثل أمل الامة المشرق وتوفير الجو الملائم لتنمية هذه الموهبة وتوفير الوسائل والادوات التي يطلبها الموهوب دون ان يعاني في سبيل ذلك و التعاون بين الآباء والمعلمين لتنسيق العمل فيما بينهم وتوجيه المعلمين الى استخدام الطرق الفعالة والمشوقة في التعليم وتوجيه المرشدين التربويين لمتابعة الحاجات النفسية المتعددة للموهوبين في مدارسهم وعمل لوحة شرف لهم وتشجيعهم وابراز مكانتهم عن طريق تكريمهم في المحافل التربوية والاجتماعية المختلفة وتكليفهم بأدوار وإن كانت مبسطة في ادارة تجمع في اختصاص موهبتهم وتدريب زملائهم والإشادة باعمالهم في الاذاعة المدرسية والتجمعات الصباحية والندوات والمناسبات التي تقيمها المدرسة مع تقديم الحوافز المادية والمعنوية لهم وعمل زاوية خاصة بهم في صحيفة المدرسة أو النشرة الجدارية ليكتبوا فيها بحرية عما يفكرون به ، وإشعار ولي الأمر بأهمية أبنه وحثه على مزيد من الدعم وضرورة ان يقوم المسؤول بتفقد الموهوبين في كل مرة يزور فيها المدرسة وعقد اجتماع خاص بهم وعرض المساعدة لهم . لإيصالهم الى مرحلة الوعي بذواتهم ووضع دوافعهم الايجابية على سكة الطريق الصحيح لنضمن إكمال الموهوب طريقه بنفسه بمجرد أن نصل بهذه المعطيات الى سن البلوغ ، فمع الوعي والبلوغ سوف لن يكبح جماح الموهوب أحد وسوف يكون انساناً منتجاً إيجابياً متفاعلاً مع نفسه ومع الآخرين .

يقول دنيس ويتلي مؤلف كتاب سيكولوجية الدوافع " تتحكم قوة رغباتنا في دوافعنا و بالتالي في تصرفاتنا" ..

وهنا سيكون من المناسب أن أقص عليكم قصة شاب ذهب إلى أحد حكماء الصين ليتعلم منه سر النجاح ..

 سأله: "هل تستطيع أن تذكر لي ما هو سر النجاح !!

فرد عليه الحكيم الصيني بهدوء وقال له: "سر النجاح هو الدوافع"

فسأله الشاب: " ومن أين تأتي هذه الدوافع !!

فرد عليه الحكيم الصيني: " من رغباتك المشتعلة"

وباستغراب سأله الشاب: وكيف تكون عندنا رغبات مشتعلة !!

وهنا استأذن الحكيم الصيني لعدة دقائق وعاد ومعه وعاء كبير مليء بالماء ، وسأل الشاب: "هل أنت متأكد أنك تريد معرفة مصدر الرغبات المشتعلة ؟ ، فأجابه بلهفة: "طبعا"  ، فطلب منه الحكيم أن يقترب من وعاء الماء وينظر فيه ، ونظر الشاب إلى الماء عن قرب وفجأة ضغط الحكيم بكلتا يديه على رأس الشاب ووضعها داخل وعاء المياه!!  ومرت عدة ثوان ولم يتحرك الشاب ، ثم بدأ ببطء يخرج رأسه من الماء ، و لما بدأ يشعر بالاختناق بدأ يقاوم بشدة حتى نجح في تخليص نفسه وأخرج رأسه من الماء ثم نظر إلى الحكيم الصيني - و سأله بغضب: "ما هذا الذي فعلته  ؟! فردّ وهو ما زال محتفظا بهدوئه وابتسامته سائلا: "ما الذي تعلمته من هذه التجربة؟"

 قال الشاب: "لم تتعلم شيئا"

 فنظر اليه الحكيم قائلا:

لا يا بني لقد تعلمت الكثير ففي خلال الثواني الأولى أردت أن تخلص نفسك من الماء ولكن دوافعك لم تكن كافية لعمل ذلك وبعد ذلك كنت دائماً راغباً في تخليص نفسك فبدأت في التحرك والمقاومة ولكن ببطء حيث أن دوافعك لم تكن قد وصلت بعد لأعلى درجاتها وأخيرا أصبح عندك الرغبة المشتعلة لتخليص نفسك وعندئذ فقط أنت نجحت لأنه لم تكن هناك أي قوة في استطاعتها أن توقفك ، ثم أضاف الحكيم الذي لم تفارقه ابتسامته الهادئة .. عندما يكون لديك الرغبة المشتعلة للنجاح فلن يستطيع أحد إيقافك .


* د. خالد الوائلي مرشد تربوي 



خاص بشبكة مشروع life just like a palette لدعم المواهب / بإشراف فريق سماء أسماء Sama Asma

صفحة المشروع التطوعي في فيس بوك


تم عمل هذا الموقع بواسطة