الوالدان هما سر كشف مواهب أبنائهم / سنان حقي خلف


الوالدان هما سر كشف مواهب أبنائهم / سنان حقي خلف


خاص بشبكة دعم المواهب : الحياة لوحة رسم Life just like a palette 

تاريخ النشر  : 2/1/2017

حدث مرارا وتكرارا أن غفل الناس عن كثير من المواهب والقدرات الكبيرة أو الخارقة بسبب الاعتماد على تقييم المدارس والمدرسين فقط ، والحقيقة أن لوجهة  نظر الوالدين وخصوصا الأم أهمية لا تخطئ وقد رأينا من خلال الإطلاع على حياة وسيرة عدد من العلماء والفنانين أو الأدباء والمبدعين كيف انهم تصدّروا ميادين الإبداع رغم رأي سلبي لعدد من المدارس والمعلمين
وقد بلغني أن أحد علماء الرياضيات الكبار عندما كان صبيا بعثت مدرسته إلى أهله تطلب مراجعتها وذهبت أم الصبي فأخبروها أن ولدها لا يصلح لشيء وهو ضعيف في كل الدروس ونصحوها أن تجعله ينتسب إلى المدارس المهنيّة ليتعلّم مهنة يعيش بها مستقبلا ولكن الأم لم تقتنع بكلام المدرسين ورفضت كلامهم تماما وأخذت ولدها إلى البيت وقامت على تعليمه بنفسها وجعلته يؤدّي الأمتحانات كطالب خارجي أو كما يسميه إخواننا المصريون ( من منازلهم) وبدأ الصبي يتقدّم شيئا فشيئا وأتم الدراسة الثانويّة أوالتي يدعونها المدرسة العالية School High وهكذا وبمساعدة والدته دخل الجامعة وما أن أمسك بقسم الرياضيات حتى صار متفوّقا جدا واعتبروه موهوبا وأحرز أرفع المراتب وبالتالي صار من أهم علماء الرياضيات في عصرنا.
وفي إحدى شواهد حياتي الخاصّة زاملني طالب فقير كان يراه المدرسون كسولا ودرجاته كلها تحتها خط أحمر وهو طول الوقت ذاهلا لا يشارك زملاءه الحديث ولم يكن مقدرا له أن يجتاز الشهادة المتوسطة ولكن عندما رأى مدرس الرسم رسوماته أعجبته وشجّعه وبالرغم من فقر حاله إذ ان أباه كان بائعاً للوقود يجول بعربة يقودها حصان غير انه صنع من شعر ذيل حصان عربة والده أنواعا من الفرش وأحجاما ليستعملها في الرسم ويصنعها بنفسه وأصبح صديقنا دائبا على الرسم ومتواصلا على التخطيط في كل الأوقات في الصف وفي الشارع وفي البيت وكل مكان وعندما اقترب امتحان البكالوريا  ساعده عدد من المدرسين وزملائه الطلاب ليجتاز تلك المرحلة وبعدها تم قبوله في معهد الفنون الجميلة ببغداد وواصل دراسته في بغداد ثم سافر إلى باريس وحصل على شهادة البوزار وهي من أرفع الشهادات في الفنون بباريس ومع أن أخباره انقطعت عنا لكننا نذكره كلما ذكرنا بعض الموهوبين والمتميزين .
لقد أدركت أنا شخصيا أهميّة الوالدين  في حياة أي إنسان ولهذا تابعتُ شخصيا أولادي وحين وجدت قدرة لدى أحدهم على الاستيعاب أدخلته دورة في علوم الكومبيوتر وكان المدرس يقول : هذا صغير ومبتدئ على ما نعلّمه هنا فقلت له جرّبه فجرّبوه فاجتاز دورة في استعمال البرامجيات الأساسية الأربعة ( Word, Excess,Excle & Power point  ) بجدارة وتفوّق ثم أصبح أفضل أقرانه في استخدام واستعمال الحاسوب ، وبعد أن أصبح في الصف الثاني المتوسط وهو في مدرسة المتميزين أخبرتهم مدرسة الرياضيات وهي تحمل شهادة ماجستير في الرياضيات ، أخبرتهم أن هناك مسابقة على مستوى العراق  لمن يقدّم تقريرا أو دراسة في الرياضيات فساعدته في فهم حل المعادلات من القوى العالية وعندما وجدت أنه فهمها وبدأ بحل بعض المعادلات العالية جعلته يكتب في شرح إحدى الطرق المغمورة والمهمة لحل المعادلات العالية وتدعى طريقة غريف وكان العالم غريف قد نال بها جائزة الإمبراطور النمساوي في القرن الثامن عشر وهو سويسري فكتب شرحا للحل وقدّم به عددا من الأمثلة التي حلّها هو بنفسه وساعدته في تنظيم التقرير الذي كان عنوانه ( حل المعادلات من القوى العالية بطريقة غريف ) وقدّمه وأعجب مدرسته جدا جدا وحضرت لجنة من بغداد لتقييم التقارير فألقى تقريره أمامهم فأعجبوا به جدا ورغم أن التقرير حاز على مرتبة متقدمة إلاّ أن الظروف لم تسمح للسفر به إلى بغداد ومع هذا فقد كان من أبرز الأوائل على مدرسته وعلى المحافظة غير أنه فضّل دخول كلية الطب كما هي أحلام أقرانه ولكنه صار مرجعنا في استخدام الكومبيوتر وكنت ألقّبه IT(  مال البيت) وحتى عندما انتقلنا إلى دهوك وتخرّج من كليّة الطب أصبح مسؤولا عن برامج  مديرية صحة دهوك بالإضافة إلى عمله وهو الآن طبيب يعمل في إحدى مستشفيات مدينة برزبن في أستراليا وعند أول ايام وصوله أستراليا لم يكن سهلا الحصول على عمل ولكنه حصل على عمل مستخدم للحاسوب في شركة إتصالات أستراليا وأعجبهم وأحبوه وهو متزوج الآن وله طفل وينتظر طفلا آخر هذه الأيام وأنا فخور به كما أنني ايضا فخور بإخوانه الذين بذلت معهم جهدا إستثنائيا وحتى الصغير الذي كان جهدي معه أقل ألاّ أنه شقّ طريقه بنفسه بجدارة واقتدى بأخوته وهو طالب في الطب حاليا ، كلهم كان عليّ أن اختبر قدراتهم في طفولتهم لتوجيههم الوجهة  التي تناسبهم وأنا مؤمن أن كل إنسان له مضمار يبدع فيه ولكننا قد لا نوفّق أحيانا في التعرّف على قدراته ولكن التعامل معه بيتيا بالخصوص لا شك يكشف لنا عن قدراته الخاصّة التي قد لا ينازعه فيها أحد
ومن شواهد الحياة أن لي إبنة أخ وهي اليوم طبيبة في كندا وعندما كانت طفلة بعثت المدرسة على والدها وأخبرته أن ابنته لديها موهبة ممتازة بالموسيقى والمدرسة لا تستطيع توفير دروس تناسب قدراتها فإن كان بوسعكم فوفّروا لها معلما خاصّا وفعلا فقد فعل أبوها وجاء بمدرّس خاص يعطيها درسين في الإسبوع وأصبحت عازفة بيانو من الصنف الأول فيما بعد
وخلاصة ما أقول أن متابعة الأبوين لأبنائهم مهمة جدا للتعرف على قدراتهم الفردية ولا يقتصر الأمر على درجاتهم المدرسيّة فحسب .
ويؤيّد قولي هذا ما توصّل إليه الدكتور العراقي المعروف الراحل د . نوري جعفر وهو متخصص بوظائف الدماغ حيث توصّل إلى أن أدمغة البشر كلها تحتوي على المساحة السنجابيّة نفسها التي تغطي الدماغ والمسؤولة عن أنشطة الناس الفكرية المتنوعة ولكن كثافة المادة السنجابيّة تلك في موضع معين هي التي تحدد نبوغ وكفاءة الشخص في الأنشطة التي يكون الموضع مسؤولا عنها حيث حدد جغرافية عامة للدماغ ورسم مناطق للبصر وأخرى للسمع وهكذا وبناءً على رأي الدكتور نوري جعفر فإنه لا يوجد إنسان ليست له قدرات يتفوق بها ولكن كل ما علينا هو أن نكتشفها فقط
تحياتي وآمل أن يكون ما كتبت مفيدا ومشجّعا .


خاص بشبكة  دعم المواهب : الحياة  لوحة رسم life just like a palette لدعم المواهب / بإشراف فريق سماء أسماء Sama Asma

صفحة المشروع التطوعي في فيس بوك


تم عمل هذا الموقع بواسطة